القاضي عبد الجبار الهمذاني
275
المغني في أبواب التوحيد والعدل
يبطل ما يتعلقون به ، من أن الفصاحة لا بدّ من أن تنتهى إلى عدد قليل ، أو واحد ؛ لأنا إذا توهمنا فصحاء العرب مائة ؛ وتأملنا أحوالهم ، فلا بد من أن يكون فيهم من يتقدم الجميع ؛ فإذا اخترنا منهم خمسين فلا بد من أن يكون فيهم من يتقدم ؛ فإذا اخترنا منهم عشرة ، فكمثل ، حتى تنتهى إلى الواحد والاثنين ، فلا يمتنع أن يأتي بالقرآن ، ويتعذر مثله على غيره ، ويواطئه ذلك الواحد والاثنان ؛ لأن كل الّذي قدّمناه قد أبطل ذلك . وقد استدل شيوخنا على إبطاله : بأنه ، صلى اللّه عليه ، كغيره في بون ما بين كلامه وبين القرآن ، فلا يصح أن يقال : إنه أتى به لمزيته في الفصاحة ، وحال كلامه كحال كلام غيره ، في أن القرآن يفوقه ، ويفضل عليه ؛ وبينوا أنه لا يمكن أن يقال : تعمل له زمانا ، وسائر كلامه ارتجله ؛ وذلك لأن المتقدم في الفصاحة يقارب المرتجل من كلامه المسموع عنه ؛ بل ربما فاقه البعض منه ، على ما جرت به العادة ، إذا كان ممن يمكنه الارتجال ، كما يمكنه التعمل ؛ وبينوا بطلان قول السائل : إنما فارق سائر كلامه القرآن ، لأنه كان يتعمد أن يأتي به ، على الحد الّذي يبين معه ، من القرآن ، ليتم تلبيسه وتمويهه ؛ وذلك لأن المتعالم من حاله ، صلى اللّه عليه ، أنه كان يقصد في كثير من مقاماته أن يأتي بالكلام الفصيح ؛ فلا يصح ما ادعوه . وبعد . . فإن من يقصد إلى ذلك أيضا لا بدّ من أن يقع في كلامه ما يقارب الأمر الّذي يعمله ، وهذا مجرب من الأحوال المتقدمين ؛ حتى إن بعضهم إذا اعتاد طريقة في الفصاحة المتقدمة ، لا يؤاتيه الكلام المتوسط والركيك إلا بعد جهد وتكلف ؛ وإنما يصح ذلك في أمور مخصوصة ، دون العوارض ، التي يخرج فيها إلى ضروب من الكلام ، لا يصح إيراده على طريق الروية ؛ ويخالف ما يحكى